أبو حامد الغزالي

180

تهافت الفلاسفة

قلنا : نفسنا ليست علة لوجود جسمنا ، ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود جسمه ، عندكم ، بل هما موجودان بعلة سواهما ، فإذا جاز وجودهما قديما جاز ألا تكون لهما علة . فإن قيل : كيف اتفق اجتماع النفس والجسم ؟ ! قلنا : هو كقول القائل : كيف اتفق وجود الأول ؟ ! ، فيقال : هذا سؤال عن حادث « 1 » ، فأما ما لم يزل موجودا ، فلا يقال له : كيف اتفق ؟ ! ، فكذلك الجسم ونفسه ، إذا لم يزل كل واحد موجودا ، لم يبعد أن يكون صانعا ؟ . فإن قيل : لأن الجسم - من حيث إنه جسم - لا يخلق غيره ، والنفس المتعلقة بالجسم ، لا تفعل إلا بوساطة الجسم ، ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ، ولا في إبداع النفوس ، وأشياء لا تناسب الأجسام . قلنا : ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصة ، تتهيأ بها ، لأن توجد الأجسام وغير الأجسام منها ، فاستحالة ذلك لا تعرف ضرورة ، ولا برهان يدل عليه ، إلا أننا لم نشاهده من هذه الأجسام المشاهدة ، وعدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة ، فقد أضافوا إلى الموجود الأول ، ما لا يضاف إلى موجود أصلا ، ولم نشاهده من غيره ، وعدم المشاهدة من غيره ، يدل على استحالته منه ، فكذا في نفس الجسم والجسم . فإن قيل : الفلك الأقصى ، أو الشمس ، أو ما قدّر من الأجسام ، متقدّر بمقدار ، يجوز أن يزيد عليه ، وينقص منه ، فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز ، إلى مخصص يخصصه ، فلا يكون أولا . قلنا : بم تنكرون على من يقول : إذ ذلك الجسم يكون على مقدار ، يجب أن يكون عليه ، لنظام الكل ، ولو كان أصغر منه أو أكبر ، لم يجز ، كما أنكم قلتم : إن المعلول الأول ، يفيض الجرم الأقصى منه ، متقدرا بمقدّار ، وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات المعلول الأول ، متساوية ، ولكن تعيّن بعض

--> ( 1 ) أي لا يسأل بهذا السؤال إلا عن حادث ، الأول ليس بحادث فلا يسأل بهذا السؤال عنه